القائمة الرئيسية

الصفحات

أملاك وأموال والدي الضائعة


أملاك وأموال والدي الضائعة

أملاك والدي



قصة واقعية: مستوحاة من الواقع



في الشارع  المفضي إلى الكورنيش، شمس يوليوز تضفي على المكان بهجة الصيف ، زبناء كثيرون يقتعدون كراسيهم ، على أرصفة المقاهي والمطاعم.  فجأة في غفلة من هذا العالم الجميل الحالم ، ظهر على رصيف أحد المقاهي رجل شاب يتوكأ على عكازين،   سريعا يكتشف الناظر إليه قصر أحد ساقيه، يعتمر الشاب الذي يرتدي بذلة رياضية على صدرها ما يبدو أنها علامة فريق رياضي و كاسكيط يغلب عليها اللون الأزرق كما البذلة الرياضية،    الشحوب الذي يعلو وجهه ويحيل على سقم  أو ألم يعتصره، ينسجم تماما مع جسمه النحيف، في وجهه لحية تعود إلى بضعة أيام، وشاربان نزل على طرفي الذقن


حدث كل شيء سريعا، ما أن وصل ذاك الشاب إلى باب المقهى حتى بدأ يصرخ ويردد كلاما لم يكن مفهوما، نبرته توحي بأنه في حالة سكر متقدمة، أو هو تحت تأثير مخدر قوي، يتناقض تماما، صراخه و صياحه مع حالته.  كل من كانوا على رصيف المقهى استداروا نحوه، بينما تدافع عدد ممن كانوا في الداخل نحو الباب ، يبدو أن الرجل أعجب بمنظرهم وهم يستمعون إلى صياحه، ما أن يأخذ نفسا حتى يعود ليصرخ ويردد كلماته تلك التي لا يفهم أغلبها، لم يتحرك أحد من مكانه بينما كان هو يكاد يسقط إذ يهتز جسمه كله ويصرخ، قال أحدهم إنه يسب صاحب المقهى، وجاء صوت آخر يقول إنه مجنون، وسط الوجوه التي أطلت من الباب وجه امرأة أوروبية تضع على عينيها نظارتين طبيتين واسعتين يبدو أن أشعة الشمس تزعجها ولذلك كادت تغمض عينيها بالكامل، خلفها وجه مستدير لرجل في فمه غليون.


لم يدم المشهد طويلا،  من مكان غير بعيد سمعت صفارة سيارة الشرطة، الشاب الذي يصرخ لم يتحرك من مكانه، نزل من السيارة شرطيان، هي خطوات قليلة قطعاها ثم أمسك بالشاب الذي كان قد بلغ من الهيجان درجة متقدمة، حملاه من تحت إبطيه وأدخلاه السيارة، ثم عاد أحد الشرطيين وحمل العكازين اللذين كان يتوكأ عليهما، الزبناء الذين تدافعوا في باب المقهى عادوا إلى أماكنهم، قال النادل للذين ظلوا يتملكهم الفضول إنه يظن أن الشاب كان تحت تأثير المخدرات
ظن الجميع أن الأمر انتهى عند ذلك الحد، وأن الشرطة ستعرف ما الذي دفع ذلك الشاب إلى القيام بما قام به
في مركز الشرطة، أنزل الرجل في باحة المركز وحمل إلى الداخل ثم جيء بعكازيه
في مكتب صغير، عند مكتب وضعت عليه ملفات عديدة جلس ضابط شرطة بزي مدني، أدخل الشاب الذي أمسك به في الشارع، بدا هادئا، أجلس كرسيا مقابلا للضابط الذي ركز نظره على عينيه، عليه أن يدلي باسمه وبوثيقة هويته، علم منه الضابط أن اسمه جيلالي  ، ثم سأله  الضابط عن أسباب إثارته الفوضى بجوار ذاك المقهى، لم يتمكن في حينه من الحصول على جواب فقد تفطن إلى أن الذي أمامه يبدو في حالة لا تسمح له بالإجابة عن كل الأسئلة، وكذلك تم التحفظ عليه إلى أن يستعيد وعيه


تطلب الأمر يوما كاملا ولم يقدم من جديد إلى الضابط، سوى صباح اليوم التالي، وقد فوجئ الضابط بالرجل وهو يمكن أن يكون قد أراد سوءا بأي من زبناء مقهى الشارع .
لم يكن في كلامه ما ينافي الحقيقة فهو لم يقرب أيا من الزبناء، ولكن ذلك لا يبرئه من تهمة المس بطمأنينتهم، كان عليه هو الذي لا يملك عنوانا قارا  ولا إقامة في نزل أو فندق، أن يدلي بالأسباب التي جعلته يأتي  إلى هذا المكان، قال إنه ما جاء إلا سعيا وراء حق له أهدره حمو ، وقد استوقف الاسم اهتمام الضابط،حمو  مستثمر معروف في السياحة ، نظر إلى الرجل الذي أمامه وراح بتفكيره بعيدا يتساءل عن هذا الحق الذي أخذه حمو  من هذا الذي أمامه، ثم انتبه إلى أن الرجل ينتظر، فباغته بأن سأله عن هذا الحق الذي أخذه منه ، رد الشاب ان حمو  خاله، لم يمضي أبعد ولم يجيب على السؤال، صمت ضابط الشرطة ولكن نظراته النفاذة لم تبرح قط عيناي جيلالي  هو خالك سأل الشرطي من جديد، نعم رد الشاب، يعلم الضابط أن حمو  هو مالك المقهى الذي قبض على جيلالي  بالقرب منه، يعلم الضابط أيضا، أن الأمر يتطلب المزيد من التدقيق لن يكون مقبولا إزعاج شخصية بوزن حمو  تأسيسا على مزاعم هي كذلك أقوال جيلالي


لم ينتظر الشاب الذي تقول وثائق هويته ،إنه يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاما ،أن يسأله الضابط من جديد عن طبيعة الحق الذي أخذه منه ، قال إن حمو  لم يكن شيئا قبل ثلاثين إلى خمس وثلاثين سنة، نظرات الشرطي تشي بأنه يترقب المزيد، ثم واصل الشاب بنبرة هادئة تلافي حالة الهيجان التي كان عليها بالأمس، كان يتابع دراسته حتى  جاءت به أمي ، وكان والدي الحاج  من ينفق عليه. كان يعامله كما يعامل الأب ابنه، لم أكن قد ولدت بعد، وحتى لما ولد ظل يعامله كابنه وينفق على دراسته، لما كنت في السابعة، توفي والدي وخلف تجارة رائجة، لم تكن والدتي تستطيع تدبير تلك التجارة وإدارتها، اعتمدت على شقيقها الذي كبر في بيتها ،وهل كان لها أن تثق في غيره


فقد حاول أعمامي التسلل والحصول على نصيب مما تركه والدي الهالك، في تلك المعركة الشرسة اضطرت إلى إعطاء شقيقها الغالي تفويضا تلو تفويض، بدت الأمور وكأنها تسير سيرها الطبيعي، ثم باغتها المرض، قيل لي لاحقا إنها أصيبت بالسرطان لم يمهلها طويلا ففارقت الحياة


سكت جيلالي لعدة دقائق، طأطأ رأسه كما لو أنه يريد أن يتذكر، ثم اكتشف ضابط الشرطة أنه يبكي وهو يستحضر ذاك الحدث الأليم. وكأنه لم يتوقف قط، استأنف حديثه، كنت في العاشرة، نظر إلى ساقه، ولدت هكذا بساق أصغر من أخرى، كنت أجد صعوبة في الحركة لم أكن أستطيع اللعب مع أترابي، أكتفي بالنظر إليهم وهم يجرون ويلعبون، ظننت أن الذي فتح عينيه على خال، لم أعرف غيره،ظننت أنه سيحميني، كنت صغيرا بلا حماية ولم يكن لي أن أطلب الأمن والأمان إلا عنده، ولكنه بعد أسابيع قليلة أبان عن وجه غير الوجه الذي عرفته به، أظن أن وجهه الحقيقي هو ذاك الذي انجلا عنه القناع، قاطعه الضابط ولكن الذي تزعمه فيه اتهامات خطيرة سيكون عليك أن تقدم الحجج لإثبات صدق ما تدعيه.
نعم قال جيلالي. ثم واصل ما كان يحكيه، لقد ألقى بي في ملجأ ومضى يتصرف في أملاك والدي وفق هواه، حول الكثير منها إلى اسمه وباع أخرى، قيل لي إنه كان يتصرف بالاعتماد على تلك التوكيلات التي حصل عليها من أمي، عاد الضابط ليقول له إن ما يدعيه يقتضي تقديم الأدلة، أضاف في كل الأحوال سأدرج أقوالك في المحضر، ثم انتبه جيلالي إلى آلة تسجيل بجوار المكتب


حسب الشاب أنه سيخلى سبيله ولكن الضابط فاجأه بأنه سيمضي في المركز ليلة أخرى، ما يهمه الآن أن يتم الاستماع إلى حمو . صباح اليوم التالي قبل أن يغادر مركز الشرطة، سأل الضابط إن كان سيتم الاستماع إلى  حمو ولما لم يأته رد منه، قال له إنه سيعيد الكرة وسيلاحقه في كل مكان


يعلم أنه سيقبض عليه من جديد، وكذلك مضى في اليوم التالي إلى ذاك المقهى ، كان الوقت صباحا جلس إلى طاولة على الرصيف وركن عكازيه بجانبه، جاءه النادل فطلب شايا أسود، ثم ما لبث أن عاد ليخبره بأنه لا يوجد لديهم شاي أسود، كان الذي يتولى الصندوق، قد لمحه من الداخل ولذلك قال لي النادل أن يبلغه بأن ما طلبه غير موجود فقد ينصرف، ولكنه استبدل الشاي الأسود بقنينة ماء قال للنادل لا أظن أن الماء منعدم في مقهاكم، يعلم أن عليه أن يصمد مكانه فقد يأتي حمو. بعد نحو ربع ساعة، توقفت بجوار المقهى سيارة مكشوفة نزل منها رجل أنيق الملبس ظنه هو هم بالنهوض من مكانه وكأنه نسي عاهته، ثم وهو يثبت نظره على المقبل نحو المقهى مدت يداه إلى العكازين.


هي حركات تعودها وقف دفع الطاولة وكادت تنقلب قنينة الماء المعدني ثم أسرع نحوه وهو يصيح أيها اللص أيها اللص، نظر إليه بتعال والتفت جهة باب المقهى من حيث خرج ثلاثة من العمال مسرعين، كان قد وصل إليه وأمسك بقميصه بإحكام، حاول التفلت منه وهو يتحاشى النظر إليه، كان جيلالي يصرخ لن أتركك حتى أستعيد حقي، يكررها مرات ومرات، حاول الرجال الثلاثة أن يبعدوه ولكنه كان ممسكا به بقوة، ثم سمع صوت ثوب قميصه يتمزق إذ ذاك التفت إليه، يواصل جيلالي الصراخ أنظر في عيني إن كان لديك ذرة شجاعة، لعل حمو لم يكن يرغب في حضور الشرطة، ولكن أحدهم اتصل بها فيما يبدو
حضر شرطيان وتم الإمساك بجيلالي واضطر حمو إلى مرافقة الشرطيين إلى المركز، وهو يدلي بأقواله، لم ينفي أن يكون الشاب الذي قد قميصه ابن أخته، ولكنه نفى أن يكون سطا على ممتلكات شقيقته التي آلت إليها وابنها بعد وفاة زوجها الحاج


أحيل الملف على النيابة العامة، كان حمو يظن أن مواجهته مع جيلالي ستحسم في جولة واحدة، ولكن جيلالي استطاع أن يثبت أن تصرف خاله  في ممتلكات والده، تمت بعد وفاة والدته
لم يكن بحاجة إلى أكثر من نسخة من رسم الوفاة وتواريخ العقود التي أبرمها حمو لتحويل الملكية أو نقلها إلى مستفيدين آخرين
كل النسخ كانت بحوزته وقد اضطر حمو الذي صار يخاف على سمعته إلى التفاوض مع جيلالي عبر وسطاء
أعاد إليه الدار التي ولد فيها وعوضه عن ممتلكاته واضطر الشاب إلى التنازل عن متابعته.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع