القائمة الرئيسية

الصفحات

دفاتر الجيلالي بذكرياتها الشيقة

دفاتر الجيلالي بذكرياتها الشيقة

دفاتر الجيلالي


قصة واقعية: مستوحاة من الواقع



 دفاتر الجيلالي، وهو على عتبة الستين لازال 
يحتفظ بكل دفاتره القديمة 
يلفها بعناية  في كيس بلاستيكي شفاف.
يقول إنه يحتفظ أيضا بكل الكتب المدرسية،  لتكون شاهدا. 
يبدو الرجل وكأنه يحمل في قلبه جرحا غائرا 
لا يندمر. 
في أواسط ستينيات القرن الماضي، 
كان الجيلالي واحدا من أطفال
 القرية الذين كانوا يختلفون إلى المدرسة.



كان والده جلول يعقد أملا كبيرا 
على ابنه البكر ، يراه متفوقا متميزا.
ولم يكن الجيلالي ناقص كياسة
 أو عديمها، كان كأقرانه مبتهجا 
بالذهاب إلى المدرسة وكان ذاك ما 
يميزه عن كثيرين. 

راهن الوالد على فلاح ابنه
 المكي في الدراسة ليتخذ لنفسه
 مسارا غير مسار الفلاحة 
التقليدية الذي ورثه هو عن آبائه وأجداده. 

يذكر كم كانوا يضحكون 
في البيت حين كانوا يستمعون
 إليها وهو يقرأ با بو بي، 
ثم لاحقا وهو يردد تلك الأناشيد 
التي احتوتها كتب المطالعة. 


اجتاز بسهولة قسم التحضيري 
يقول إنه مازال يحتفظ بدفتر الامتحانات ،
 بخاناته التي ضمت النقاط المحصل عليها، 
وملاحظات المعلم، ثم اجتاز بيسر 
امتحان الانتقال من 
الابتدائي الأول إلى الابتدائي الثاني. 

كم كان يعجبه تأمل كلمة
 ينتقل التي كتبها المعلم أسفل 
الورقة الأخيرة ، في الدفتر كانت مكتوبة 
بلون أزرق فاتح، كان يتميز به قلم المعلم ،
 الذي كان يختلف عن الأقلام التي 
يؤتى بها من السوق الأسبوعي. وهو
 يذكر أيضا طابع المؤسسة الدائري الكبير الذي وضع على كلمة ينتقل، كانت تتوسط
 ذاك الطابع كلمة المدير بينما كتبت
 بشكل يساير 
دائرية الطابع. مدرسة الليمون. 


بضع فتيات فقط كن تأتين إلى المدرسة
 في قسم الابتدائي الأول، كن أربع فتيات 
إحداهن زهرة ابنة المقدم تجلسن 
 في طاولتين تتقدمان في الصف،
 الذي يبدأ من أمام مكتب المعلم. 
حتى خلال فترة الاستراحة 
لا تخالطن الذكور، 
يظن الجيلالي أن سنتي التحضيري
 والابتدائي 
الأول أجمل سنين طفولته، 
خلالهما تعلم كتابة 
الحروف والتلوين، كان يعشق تلوين
 تلك الأشكال المربعة والدائرية. 
وتلك التي تتخذ هيئة الحلزونات التي كان
 المعلم السي عبد سلام يطبعها على
 أوراق الدفاتر حين تبدأ حصة الرسم، 
كان المطلوب من الصغار أن يلونوها 
بما يختارونه من ألوان على ألا 
يتخطى حدود الرسم. ويذكر الجيلالي 
أيضا معاناته مع المنجرة حين 
تتكسر المادة 
الملونة 
التي تخترق الأقلام
 المصنوعة من الخشب.


حين يحكي الآن وقد تقدم به 
العمر تراه يتفاعل مع ما يستحضره
 من ذكريات، فيضحك تارة 
،وأخرى يحزن.
 كان أكثر ما يحزنه ما يعود به
 إلى الابتدائي الثاني خصوصا سنته الدراسية الثالثة،
 في تلك المرحلة وقد قدمها له من سبقوه
 إليها بكثير من التهويل. سيصير له معلمان، 
كان معلم اللغة العربية يشبه السي عبد سلام
 الذي 
درسه في قسم التحضيري ثم
 في قسم الابتدائي الأول .


 كان مثلهم يلبس الجلابة 
الصوفية على امتداد شهور العام الأولى، 
يتغير اللون من البني الداكن. إلى الأبيض أيام 
الجمعة وحين يبدأ فصل الربيع، 
ولكن المعلم الآخر الذي يدرس اللغة 
الفرنسية لم يكن يشبههم، كان يلبس
 السروال 
الطويل والمعطف والقميص وربطة العنق
 وينتعل حذاء 
أسود .وهو اللباس الذي كانوا
 يصفونه في القرية ، باللباس الرومي. 


كان الرجل الذي يبدو أكثر شبابا ، 
من معلم اللغة العربية بثقله الحليق.
يأتي إلى المدرسة ممتطيا دراجة نارية نحيفة
 يذكر لونها الأصفر الفاتح إلى حد يلامس
 البياض. 


يذكر الجيلالي أن التلاميذ وهم يقبلون
 على حصة اللغة الفرنسية، كانوا 
يبدون في 
حالة من التوتر تبدأ الحساب درس
 الحساب. عليهم أن يستظهر الأرقام 
بلسان فرنسي، لم يعهدوه من قبل ولذلك 
كانوا كثرا الذين يتعثرون ولا يهتدون
 إلى نطق سليم.
وكان هو أحد الذين يستغربون
 أن يتم ضربهم على أكفهم الصغيرة 
لأنهم لم يتذكروا 
كيف يقالوا لخمسة أو ثمانية
 أو لأنه لم ينطق كلمة موسيو كما 
ينبغي لها أن تنطق. 


كان موسيو عادل. كذلك كان 
ينادى لتمييزه عن معلم اللغة العربية
 الذي كان ينادى 
ب سي يبدو مزهوا باختلافه ذاك،
 ويظن الجيلالي أنه كان يتعامل مع
 التلاميذ، ومع معلمي اللغة العربية
 بقدر غير قليل من التعالي. 


بل إن سكان القرية كانوا يتوافدون
 إليه لقراءة رسالة تأتيهم من مصلحة 
من المصالح الرسمية ، التي كانت
 تستعمل اللغة الفرنسية في أغلب الأحيان. 
لم يكن في القرية أحد سوى معلمي 
اللغة الفرنسية لتفسير وصفة طبيب أو ملء 
استمارة،  كان بلا منازع رجال المهام 
الصعبة. 


كثيرا ما أخرج الجيلالي الكيس البلاستيكية 
الشفاف الذي أودعه ، دفاتره القديمة .
ليخرج دفترا أو كتابا ، من المقررات المدرسية 
لتلك الحقبة الغابرة فيهما يستشهد به على 
صدق ما يقول.
وكذلك أخرج يوما دفتر الاختبارات الأخير
 في مساره الدراسي، لم يحصل على
 المعدل الذي يؤهله للانتقال إلى القسم الرابع. 
ذاك الذي كانوا يسمونه المتوسط الأول، طابع 
المدرسة الذي تتوسطه كلمة المدير. 
وضع هذه المرة على كلمة يكرر ، في 
دفاتر مادة الفرنسية،  تلك الخطوط 
التي استعمل فيها قلم أحمر. كانت تشطب كلمات 
وأرقام ،وعلى الهامش ، بذاك اللون الأحمر كتبت كلمات  ميديوكر أو نيل. 


في دفاتره تلك صفحات ،
 كثيرة شطبت بخطوط حمراء. 

غادر الجيلالي المدرسة ، في نهاية تلك السنة.
 لم يكن لديه حماسا للعودة لتكرار ما مضى، 
وبدا والده وقد انهار حلمه في أن يرى 
الجيلالي ، أستاذا أو مهندسا أو طبيبا. 

على الطفل الذي تجاوز عامه العاشر، ببضعة 
أشهر أن يتعلم كيف يقود المحراث ،
 خلف الثيران . وكيف يتبع الأغنام وكأنه
 لم يذهب إلى المدرسة.

مرت عطلة الصيف ثقيلة ، ثم جاء أكتوبر
 عليه أن يمضي إلى الحقول ، بينما يأخذ 
أترابه. ومن كانوا معه في القسم ، طريق المدرسة.

لن ينسى تلك اللحظات كانت أمه أكثر 
من أبدى تضامنه معه ،في تلك التي لا زال 
يعدها إلى اليوم محنته. ثم استمرت الحياة ، 
وتوالت السنوات يتلاقى ، فيها الدخول المدرسي
 وموسم الحرث بينما يسبق ، الحصاد بقليل 
من العطلة الصيفية.

كبر الجيلالي عمره الآن سبعة عشر عاما 
رأى أصدقاء الطفولة ، الذين لم يتركوا 
الدراسة ينجحون وينتقلون، صار يتحاشاهم
 حين يأتون  نهايات الأسابيع. ولقضاء 
العطل، ولم يلبثوا أن انقطعوا أو كادوا 
ينقطعون عن القرية، في أواخر السبعينيات
 بدأ 
الجيلالي يفكر في الهجرة إلى أوروبا ،
يرى أن الأفق يضيق كل يوم.


كان والداه يلحان عليه ليتزوج يريدان 
أن ينجب لهما حفدة ليطمئنا أن دار العائلة ، 
ستظل عامرة وسيظل هناك أطفال يجرون
 وراء بضع شياه وبضع عنزات. 


علم من أحد أبناء القرية ممن هاجروا
 إلى بلجيكا. أن سبيله الأقرب للهجرة
 أن يحصل على عقد عمل، قال له الرجل 
إن تلك الوثيقة إن حصل عليها ستيسر له 
الحصول على جواز السفر، دار الحديث بين 
الجيلالي والرجل واسمه رشيد ، ويلقب بالبلجيكو في 
مقهى ، نسيم المساء ، وكأس الشاي بالنعناع، 
منحت تلك الجلسة ما يميزها. عن كل ما سبقها،
 كذلك خمن الجيلالي، حكى له البلجيكي
 عن حياة رغيدة في بلجيكا. وعن 
الآلات والسيارات والقطارات ، وعن كل ما 
يبهر وختم حديثه بأنه يستطيع المساعدة.


تلك هي الكلمات التي جعلت الجيلالي ،
أكثر انتباها لم ينطق كلمة واحدة. أمسك بذقنه 
الذي لم يحلق منذ عدة أيام ، وأصغى باهتمام. 
قال البلجيكو إنه يعرف رب عمل بلجيكيا ،
 على استعداد ليمكنه من عقد عمل. أضاف 
أنه يشترط مبلغا من المال لقاء ذلك، 
ومضى يشرح أن ما سيدفع ليس رشوة . وإنما 
هي مصاريف التأمين. كانت كلمة مبهمة 
بالنسبة لجيلالي وازدادت غموضا عندما 
نطقها البلجيكو-لا صورانس-هكذا صار الجيلالي أكثر اهتماما بقيمة
 ما يطلبه البلجيكو. ولما لاحظ إمساكه عن ذلك، سأل هو كم سأدفع لقاء الكونتراتو. سأقول لك نهض الرجل ومضى ، إلى سيارته 
الحمراء المركونة. غير بعيد فتح الباب، وما لبث أن جاء يحمل
 ملفا به العديد من 
الأوراق عاد إلى كرسيه . ورشف من كأس الشاي ، ثم فتح ذلك الملف. قلب بضعة 
أوراق ثم توقف عند إحداها، قال هذا عقد
 العمل الذي بعثت به إلى ابن خالتي ، قيمة 
المصاريف أربعون ألف فرنك بلجيكي.
ما يساوي بالدرهم عشرة آلاف درهم ، أي 
مليون فرنك. فتح الجيلالي فمه هو مبلغ 
كبير، دار بخلده أن يقنع والده . ببيع العجلين 
وبضع شياه لتوفير المبلغ المطلوب، ثم سأل البلجيكو، وكم سيستغرق من الوقت. إحضار الكونتراتو، 
خمسة عشر يوما بعد أن أصل إلى بلجيكا، لاحقا، 
أخبره بأنه سيسافر بعد أسبوع.
خشي الجيلالي أن لا يكون الوقت كافيا لإقناع والده ببيع العجلين والشياه. في النهاية تمكن
 من ذلك بأن أوحى إلى والده ، بأن ما سينفقه
 من مال سيعيده إليه في أجل أقصاه ثلاثة
 أشهر. بعدها سيؤول حال العائلة إلى أفضل. 
يومين قبل سفر البلجيكو، تم توفير المبلغ 
وتسليمه، مرت ثلاثة أسابيع. دون أن 
يتوصل المكي بعقد العمل ، الذي يرهن مستقبله ومستقبل عائلته، ثم 
انقضى شهر 
وتوالت الشهور، آنذاك أدرك أنه كان ضحية
 عملية نصب.

لم يثر معه والده الموضوع ولكنه كان يقرأ 
في عينيه حزنا عميقا، وذات صباح غادر المنزل
 وخرج.  عمل  في ورشة للبناء، ثم  اشتغل في محل إسكافي وحين أتقن الحرفة ، فتح محلا له، وأحضر  والديه و دفاتره القديمة.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع