القائمة الرئيسية

الصفحات

حبال المال ونسيان الحبيب - الجزء الأول


حبال المال ونسيان الحبيب - الجزء الأول

حبال المال ونسيان الحبيب


قصة واقعية: مستوحاة من الواقع



على مدى السنوات الاثنتي عشرة ، التي عمل 
فيها جيلالي في معمل البسكويت. 
استطاع أن يرتقي ، بسرعة الدرجات والرتب. 


لما أكمل عامه الثامن ، في ذاك المعمل، وكان 
عمره اثنان وثلاثون عاما. 
تم تعيينه مساعدا للمدير التجاري ، قبل
 خمسة أعوام. 


تزوج جيلالي من جميلة، زميلته في الكلية. وبدأ زواجهما ذاك ، تتويجا لقصة حب ، 
لم تكن خافية على كثير من زملائهما ، ولكن 
إيقاع حياة الطالبين الذي كان يحكم 
حياتهما . توارى مع مرور الأيام، وصارت ذكرى مجرد ذكرى. 


تلك الصداقات التي ارتبط بها ، برفاق ورفيقات 
غابت الوجوه، وبدأ النسيان وأحيانا 
التناسي ، يلتهم الملامح والكلمات، واللحظات التي طالما
 نعتت بالتاريخية، والحاسمة 
والمفصلية. 

مصطلحات كثيرة غابت ، كما غابت
 الملامح والوجوه. 

جيلالي المدير المالي المساعد في شركة
، البسكويت في بطاقة الزيارة التي تحمل 
شعار الشركة. رقم هاتف، وعنوان بريد إلكتروني.

صار جيلالي ابن المدينة القديمة ، شخصا يرغب كثيرون في اللقاء به.
يشاع أنه صاحب الكلمة الفصل في 
التوظيف ، وفي الصفقات التي تبرمها الشركة.
مع مزوديها بالمواد التي تدخل في صناعة 
البسكويت، وأيضا المواد والخدمات 
الأخرى ، التي تحتاج إليها. 


كانت ألسنة ينعتها جيلالي بألسنة السوء، تقول إن الرجل ينال من تلك الصفقات 
نسبا وحظا. تلك الألسنة التي تلوك سيرته
 في المجالس الخاصة، وفي غير المجالس 
الخاصة تستشهد على صدق ما تدعيه. بأن 
الرجل غير سيارته مرتين ، خلال السنة 
الماضية، وأنه اشترى لزوجته سيارة
 جديدة، بعد تخرجها وحصولها على الإجازة، 
في الاقتصاد، في العام تسعين وتسعمائة وألف.


عملت جميلة محاسبة ، في عدة شركات
 ثم بعد بضع سنين، فتحت مكتبها الخاص ،
كانت تجمع فيه بين المحاسبة ،
 والكتابة العمومية. بما تعنيه من تحرير لعقود ،
وشكايات. وقد ساعد الموقع الذي يحتله
 ذاك المكتب، غير بعيد عن إحدى المقاطعات 
الإدارية ، في رفع مداخيل أنشطته. عدا
 ما تحصل عليه، من الخدمات المحاسبتية. 
ومع ذلك فإن تلك الألسنة التي يقول
 جيلالي، إنها ألسنة سوء، ترى أن ما ترفل فيه 
المرأة من نعمة ، إنما هو بفضل ما يجنيه زوجها من العمولات،  والإتاوات، ويضيف 
بعضهم والرشاوى.

لم يكن جيلالي يخفي انزعاجه، مما يتناهى إلى سمعه من حين إلى آخر. ولكنه قرر ألا يعير أي اهتمام لما يقال، وكثيرا
 ما ردد أمام من يدعون له صداقة، أن ما يقال 
لا يهمه لأنه أعلم من غيره ، بنقاء سريرته 
ونظافة يده. 

ذات يوم رن هاتفه ، ما أن رد حتى باغته الذي يتصل 
به، بأنه حمودة . 

جيلالي:حمودة من؟ 

حمودة:هل نسيتني ، أنا حمودة زميلك
 في الكلية.

جيلالي : آه اعذرني، تذكرتك الآن. 

حمودة:هل أستطيع مقابلتك؟ لدي موضوع هام، أريد أن رأيك في شأنه.

جيلالي: برنامج نهار اليوم ، لا يسعفني. 

حمودة:هل نستطيع اللقاء غدا؟ 

جيلالي:سأحاول. 

حمودة:سأتصل بك صباحا ، في حدود العاشرة. 
كان جيلالي يهم بمغادرة البيت إلى 
المعمل، المكالمة التي تلقاها ، من حمودة
 أزعجته. 
الزميل السابق، هاجر إلى بريطانيا 
مباشرة بعد أن حصل على إجازته. في قرارة 
نفسه يعرف جيلالي، أن لحمودة عليه فضلا. 

كان الشاب المنحدر من أسرة ميسورة، كثيرا ما أسعفه بالمال.
حين كان يواجه ضائقة، لما كان طالبا. فهل
 ظهر اليوم ليطلب خدمة ما، 
لقاء تلك المواقف. في تلك الفترة 
البعيدة درج جيلالي على التساؤل، كلما
 اتصل به أحد من معارفه القدامى. في كل 
مرة كان يربط ذاك الاتصال ، بمنفعة
 يرجوها الذي يتصل به. 
قد يكون محقا في ذلك ، إلى حد ما، ولكن ليس كل من اتصل به جاء
 يستجديه خدمة.
أو يطلب منفعة، ثم يعود يحاور نفسه.

ولكن حالة حمودة تبدو حالة خاصة، لم يلقه
 منذ سنوات، كان آخر عهده به، أنه هاجر إلى بريطانيا، قيل له إنه تزوج هناك. 

كان يوما طويلا ، ذاك الثالث من أبريل من العام ثمانية وألفين، 
أمضى جيلالي، ساعات طويلة في المكتب، وقام بجولة 
عبر محلات.
عدد من الزبناء وفي المساء ، عاد 
متأخرا إلى البيت. 

كانت زوجته جميلة، تنتظره ، وقد أعدت له
 مفاجأة زينت مائدة العشاء بورد، 
ذكرته 
بما نسيه، الثالث من أبريل هو عيد 
زواجهما، ذكرته بأنها طلبت منه ألا يكون 
يوم زواجهما، الفاتح من أبريل حتى
 لا يكون كذبة أبريل، تلك التي يسمونها سمكة. 
ضحك ضمها إليه، ولكنها لمحت في 
عينيه انشغالا. لم يكن يجرؤ على كتمان 
ما يخالجه، هو يعلم أنها خبيرة بنفسيته،
 قال لها إن حمودة اتصل به. 

تذكرته كان رفيقا مخلصا، وهل أخبرك 
بسبب اتصاله، بعد كل هذه السنوات.
قال لا، إنه يريد أن يستشيرني في موضوع هام ، هل ستقابله؟ 

في كل الأحوال وعدته بأن أتصل به ، صباح الغد. حاول جيلالي أن ينسلخ من 
انشغالاته. تلك الليلة ينبغي أن تكون مميزة،
 في الصباح كما وعده. 

اتصل جيلالي بحمودة ،في حدود العاشرة. ولكن الرقم ، الذي اتصل منه أمس ظل يرن 
ثم انقطعت المكالمة، بعد عشر دقائق، رن هاتف جيلالي،اتفقا أن يلتقيا بمقهى وسط المدينة، وصل جيلالي
 أولا. اتخذ له مكانا عند طاولة، تتيح له 
رؤية الداخلين إلى المقهى. كان قد قضى
 ما يقرب من نصف ساعة، حتى رأى  بباب المقهى رجل بلحية كثة. كان يعتمر طربوش أبيض، ويرتدي جلابة بنية ،
وراء نظارته الطبيتين. نظرات تذكرها جيلالي
 إنه هو عبد حمودة. 
من ملامح المناضل في الحرم الجامعي،
 لم تبق سوى تلك النظرة ، التي تشع ذكاء 
ودهاء. لما اقترب، نهض جيلالي معانقا حمودة. 
كيف حالك بخير وأنت لم تتغير
 بالرغم من أنك أطلقت اللحية، ابتسم 
ولم يعقب.
أما زلت في بريطانيا ، لا لقد غادرت إلى
 أمريكا . منذ عدة سنوات أعمل في التجارة، 
جميل جدا. 

كان جيلالي ينتظر أن يفاتحه ، رفيق سنوات
 الدراسة ، في الموضوع الهام. الذي يريد 
أن يستشيره فيه، لم يجعل ترقبه يطول. 

قال له إنه يريد أن يستأمنه ، على قدر من المال. حصل عليه من صفقة ، أنجزها قبل
 بضعة أيام. إذ باع لأحد المزارعين جرارين ، 
ومعدات فلاحية ، أخرى متطورة استوردها من أمريكا. 

سأله جيلالي لما لا تفتح حسابا بنكيا ،
 وتودع فيه ما لديك من مال،قال لا أستطيع 
أخشى. أن يفتح تحقيقا حول مصدر مالي ، وأنا أعلم يقينا أن ذلك سيسبب متاعب 
عدة ، لي ولزبنائي. 

استغرب جيلالي ما قاله حمودة علم منه ،
 أنه يحمل في حقيبته ، مليون ونصف مليون 
درهم. 

أحس بالحرج، بدا له غامضا ما يقوله صاحبه.
 في الآن نفسه هو يريد أن يتبين ،
مصدر المال قبل أن يقول كلمته، خبرته 
في مجال التجارة. تجعله يشك في حكاية 
جرارين ، والمعدات الفلاحية.
هو يعلم أن كبار المزارعين قليلا ما يغامرون 
بشراء معدات مستعملة، ولذلك بادره 
بسؤال فيه الكثير من الجرأة. ما هو مصدر
 ذاك المال ، لأنني لا استطيع المجازفة ،
على الأقل يجب أن أعلم حقيقة الأمر ، قبل
 أن أتخذ قرارا. 

ظل ينظر إليه، لحيته الكثة تتدلى من 
وجهه ، وتمنحه طول زائدا ألا تثق بي. 

كلا أنا أثق بك، ولكن كما تعلم لا أستطيع
 أن أتخذ قرارا ، قبل أن أعرف مصدر المال. 

أنا أريد أن أترك المال وديعة لديك ، ريثما
 أتدبر أمر تصريفه. قد أشتري عقارا، وربما 
وجدت من يحول ، لي المبلغ بالدولار أو اليورو. 

كان كلامه يشبه الهمس، في الجوار. على بعد
 طاولتين رجل أبيض ، شعره أشعث ، يشرب
 سيجارة وينفث دخانا ، رائحته لا تطاق.

ظل جيلالي متمسكا بموقفه. 
قال له حمودة، سيكون لك نصيب من المال.
 أنا أريدها عملية أولى، لدي صفقات 
أخرى سأنجزها قريبا، أنا لا أريد لإسمي ذكرا 
لدى مصلحة الضرائب. 
نظر جيلالي مليا  ، في عيني رفيق الأمس البعيد، طيب، 
كم سيكون نصيبي؟ 
أنت صديق عزيز، سأمنحك عشر في المائة. 
ابتسم جيلالي، ما عده حمودة رضا وقبولا.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع