القائمة الرئيسية

الصفحات

الجار جار ولو جار من الجيران


الجار جار ولو جار من الجيران


حُسن الجوار



 أخي القارئ من المبادئ الأخلاقية الرائدة، التي حثنا عليها الإسلام حسن الجوار. فالجار سند لجاره، يعينه في شدته ويؤنسه في وحدته ويرعى بيته في غيبته، فلا عجب إذا ما قالوا في الأمثال الجار جارولو جار.


وكان الرسول صلى الله عليه وسلم: يوصي بحسن الجوار، والحرص على حقوق الجار. وهنا يتبادر إلى الذهن، سؤال وما هي حقوق الجار؟ وللإجابة على هذا السؤال. 


فلنستمع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو يقول:
أتدرونَ ما حقُّ الجارِ، إنِ استعانَك أعنتَه، وإنِ استقرضَك أقرضتَه، وإنِ افتقرَ عُلْتَه، وإن مرضَ عدتَه، ولا تستطيلَ عليهِ بالبناءِ فتحجُبَ الرِّيحَ عليه إلَّا بإذنِه، وإن شَريتَ فاكِهةً فاهدِ لهُ، فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا، ولا يخرج بِها ولدُك ليغيظَ بِها ولدَه، ولا تؤذِه بقِتارِ قِدرِكَ، إلَّا أن تغرفَ لهُ منها، فما زالَ يوصِيهم بالجارِ حتَّى ظننَّا أن سيورِّثُه.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من رحمه الله، صدق الرسول الكريم.


كان ذلك في عام مئتين هجرية، وكانت بغداد وقتذاك عاصمة الخلافة الإسلامية. والناس يحتفلون برؤية هلال رمضان، في فرحة وبهجة والسرور.


قاسم بن عبدالله : ماذا بك، يا شيخ تجار بغداد.

عمار بن سراج الكوفي :ما عدت شيخا للتجار، يا قاسم بن عبدالله.

قاسم بن عبدالله : ماذا تقول يا شيخنا، عمار بن سراج الكوفي.

عمار بن سراج الكوفي : ما سمعته مني، ياقاسم.

قاسم بن عبدالله : وكيف حدث، وأنت أشهر تجار بغداد. ممن تخصصوا في بيع التحف النادرة، والسجاجيد الفاخرة.

عمار بن سراج الكوفي :كنت أشهر التجار.

قاسم بن عبدالله : ولازلت فهذه الثريات التي تتدلى، هنا وهناك في قصر الخليفة، بالرصافة والبساط الأحمر. الذي اختاره الخليفة ليمشي عليهما عروسه، في ليلة زفافهما والنجف النادر. كل هذا، يشهد بأنك شيخ التجار.

عمار بن سراج الكوفي : كل هذا ذهب مع الريح. نعم ذهب مع الريح، أصبحت أفلس التاجر في بغداد.

قاسم بن عبدالله :ما سبب ذلك يا شيخنا.

عمار بن سراج الكوفي :غرقت قافلة البواخر، التي كانت تحمل بضاعتي، في بحر الظلمات. وهي في طريقها إلى ميناء البصرة، ففقدت كل ثروتي.

قاسم بن عبدالله :لا حول ولا قوة إلا بالله ، لكن.

عمار بن سراج الكوفي : ولكن ماذا؟

قاسم بن عبدالله : رغم هذه الكارثة، فالكل يشهد لك بقوة إيمانك وعظيم ثقتك في الله، ولن يخذلك الله أبدا.

عمار بن سراج الكوفي : ونعم بالله، لكن الصدمة شديدة، وفوق كل احتمال.

قاسم بن عبدالله : لا تقل ذلك، فنحن جميعا بعد الله، من حولك وفي عونك ومساعدتك.

عمار بن سراج الكوفي : نعم الجار أنت ياقاسم بن عبد الله، شكرا لك على هذا الشعور الطيب.

قاسم بن عبدالله :الشعور الطيب لا يكفي في مثل هذه الظروف، ولذلك فإنني أريد أن أعرف منك. كم من الدنانير تحتاجها الآن؟ لتبدأ تجارتهك من جديد.

عمار بن سراج الكوفي : شكرا لك، شكرا لك على أريحتك وشهامتك، وأعلم أنني لو احتجت إلى مساعدة مالية، فلسوف أصارحك بذلك.

قاسم بن عبدالله :ولماذا لاتصارح من الآن فمالي هو مالك ومتجري ومتجرك.

عمار بن سراج الكوفي :أعرف ذلك قاسم، ولكنني لست الآن في حاجة إلى المساعدة المالية.

قاسم بن عبدالله :لماذا؟

عمار بن سراج الكوفي :لأنني يا صديقي لا زلت أحتفظ في بيتي ببعض الأثاث، والنجف والبسط ولسوف أنقلها إلى متجري لأبدأ نشاطي من جديد.

قاسم بن عبدالله :إذن فعلى بركة الله والله معك.

وماإن بدأ عمار بن سراج في نقل النجف والأثاث والثريات إلى متجره، حتى فوجئ بكوكبة من الرجال تحيط به.

عمار بن سراج الكوفي :من أنتم يا قوم.

ابن منازع :ألا تعرفنا يا عمار.

عمار بن سراج الكوفي : من؟ ابن منازع.

ابن منازع :ومن يكون غيره أيها التاجر المفلس.

عمار بن سراج الكوفي :أنا شيخ التجار يا ابن منازع.

ابن منازع :سابقا.

عمار بن سراج الكوفي :سابقا أو لاحقا، ما علينا، ولكن لماذا جئتني؟.

ابن منازع :كبير المحضرين سيجيبك على سؤالك.

وماذا يريد مني كبير المحضرين؟

كبير المحضرين:الحجز على كل ما في بيتك من تحف و نجف وثريات و بسط.

عمار بن سراج الكوفي :لماذا؟

ابن منازع : ألا تدري لماذا؟قل له يا كبير المحضرين.

كبير المحضرين : لأنك لم تقم بسداد الدين الذي عليك لابن منازع.

عمار بن سراج الكوفي :هل هذا صحيح يا ابن منازع؟

ابن منازع : كنت أظن أنك مفلس فقط، فاكتشفت الآن أنك مصاب بمرض النسيان.

عمار بن سراج الكوفي :وكم هو هذا الدين.

كبير المحضرين : خمسمائة دينار.

عمار بن سراج الكوفي :من أجل هذا الدين التافه تريد أن تحجز على ما في بيتي يا ابن منازع.

ابن منازع : وماذا كنت تريد مني يا شيخ التجار سابقا، هل كنت تريد مني أن أتنازل لك عن الدين.

عمار بن سراج الكوفي :كنت أريد أن تستحي مني.

ابن منازع :أستحي منك لماذا؟.

عمار بن سراج الكوفي : لأنه سبق لي أن أقرضتك آلافا من الدنانير عندما بدأت تجارتك.

ابن منازع :أنا لا أنكر ذلك ولكنني الآن في حاجة إلى الخمسمائة دينار.

عمار بن سراج الكوفي :في هذا الوقت العصيب الذي فقدت فيه كل تجارتي.

ابن منازع :نعم فأنا صاحب حق.

عمار بن سراج الكوفي : يا لك من ناكر للجميل.

وفي يوم البيع بالمزاد العلني، اكتشف عمار بن سراج ،الخطة الدنيئة التي رسمها ابن منازع، للاستيلاء على ما في بيت عمار، في حدود قيمة الدين، فانفجر عمار في ابن منازع وقال له في غضب.

عمار بن سراج الكوفي :إذا كنت تريد أن تستولي على كل ما في بيتي من تحف، نظير خمسمائة دينار، فكم تدفع ثمنا لجيرتك قاسم بن عبد الله، وهو من أشهر تجار بغداد وداره تلاصق دارك.

ابن منازع :فما فائدة من هذه الجيرة.

عمار بن سراج الكوفي :فائدتك أنك تجاور رجلا شريفا عفيفا أمينا في تجارته، وحافظ لحقوق جاره.

ابن منازع :لا يهمني شيء من هذا يا عمار.

عمار بن سراج الكوفي :فماذا يهمك؟

ابن منازع : يهمني سداد الدين الذي عليك.

عمار بن سراج الكوفي : حتى ولو كان ظلما يا ابن منازع وسحتا.

ابن منازع : وما دخل الظلم في سداد الدين.

عمار بن سراج الكوفي :لأنك تريد شراء أغلى الأشياء بأبخس الأثمان.

ابن منازع : قل ما شئت ولن أتنازل عن سداد دين.

كبير المحضرين :الآن يا شيخ عمار، إما الدفع وإما أن أقوم بتنفيذ البيع.

عمار بن سراج الكوفي :اتخذ إجراءات البيع يا كبير المحضرين، اتخذها وعوضي على الله.

قاسم بن عبدالله :يا كبير المحضرين،يا كبير المحضرين أريد وقف إجراءات البيع.

كبير المحضرين :وقف إجراءات،إجراءات ماذا؟ البيع.ومن أنت؟

قاسم بن عبدالله :نعم أنا قاسم بن عبد الله من تجار بغداد.

كبير المحضرين :وما علاقتك بالشيخ عمار بن سراج، إنه جاري ،وإذا أنا أوقفت إجراءات البيع، فماذا عن سداد الدين؟ ومقداره خمسمائة دينار.

قاسم بن عبدالله :إليك الخمس مائة دينار نقدا.

عمار بن سراج الكوفي : لا أدري كيف أشكرك يا قاسم بن عبدالله.

قاسم بن عبدالله : لا تشكرني يا عمار يا شيخ التجار،فأنا جارك.

عمار بن سراج الكوفي :ونعم الجار يا أنت يا قاسم.



هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع