القائمة الرئيسية

الصفحات

مآس مخفية و حقد دفين


مآس مخفية و حقد دفين  






مآس مخفية و حقد دفين




قصة واقعية: مستوحاة من الواقع





تسكن عائلة جيلالي منذ ما يزيد على ثلاثة  عقود في مدينة أكادير بالمغرب.

الأب جيلالي يقترب من الإحالة على المعاش وقد 
أمضى مدرسا في أكادير زهاء أربعين سنة. 
زوجته السيدة خذيجة تعمل ممرضة .



لدى الزوجين ولدان الأكبر اسمه جمال 
وهو اسم جده لأبيه. والثاني حمل اسم جده 
لأمه زيدون. 
حين تأتي مدام خذيجة على ذكر ولديها كثيرا ما كانت تقول على سبيل الدعابة إن اختيار 
اسم ولديها يجسد التعادل القائم منذ زمن 
بعيد بينها وزوجها جيلالي. 


كبر الولدان وقد تعثر جمال في مساره 
الدراسي ففضل والده وهو المدرس المشهود له بالكفاءة أن يوجهه لما بلغ مستوى
 الباكالوريا 
إلى تعلم ميكانيك السيارات.



وقد اتضح له أن الشاب الذي يبلغ من العمر 
الآن ثلاثة وثلاثين عاما أثبت 
حبه لتلك المهنة. 
وقد وعده بأن يفتح له ورشة خاصة
 لإصلاح السيارات.



شقيقه الأصغر الذي يبلغ من العمر
 اثنين وعشرين عاما، تمكن من الالتحاق
 بكلية الطب، وقد صار
 والده يضيف إلى اسمه لقب دكتور أو طبيب. 
كان زيدون معروفا بأنه الولد المدلل لعائلة 
الجيلالي فقد رزقه والداه بعد انتظار 
دام نحو 
اثني عشر عاما بعد مولد شقيقه 
الأكبر جمال الميكانيكي. 
تعيش تلك الأسرة حياة هادئة وتحظى
 باحترام لا يخفى من الجيران، لم يكن في
 حياتها تلك ما يلفت إليها الأنظار إلا ما كان
 من عين حسود


كانت مدام خذيجة تخشى عيون الحساد
 وكلما أتت على ذكر واحد من ولديها
 أو زوجها إلا وأردفت ذكرهم 
دعاء إلى الله أن يحفظهم من عيون
 الحساد ومن كل سوء، تشترك المرأة
 في ذلك مع نساء ورجالا كثيرين.



في ماض قريب ردت تعثر المسار الدراسي 
لجمال، إلى إصابته بالعين
 وحسد الحاسدين.

لم تتقبل المرأة يوما أن يكون ولدها الأكبر 
ميكانيكي يصلح السيارات
 كانت تريده محاميا أو أستاذا جامعيا 
بارزا لأكثر من مرة. 


رفض جمال الزواج ولم يكن فيما 
عرفته أمه وبعدها أبوه قد ارتبط
 بفتاة أو أقام علاقة 
ووضع لها أفق الزواج. 
ما كان يغيظ أمه أن الشاب الذي تخطى 
الثلاثين بثلاث سنوات لم يكن لديه مشكلة 
سكن كما يواجهه شبان كثيرون 
من أبناء جيله ولا مشكلة عمل فاشتغاله
 في ورشة إصلاح 
السيارات يدر عليه دخلا شهريا لا بأس به. 
اضطرت كما زوجها أن تتركه وشأنه وهي 
موقنة بأنه سوف يبشرها في أجل 
ترجوه قريبا برغبته في الزواج وبناء
 أسرة تكون الامتداد 
لأسرة الجيلالي. 


بالنسبة لزيدون الذي تأتي الأخبار  
بمغامراته العاطفية العديدة فإن أمر الزواج 
متروك إلى ما بعد التخرج والالتحاق 
بمستشفى أو مصحة، وربما إلى ما بعد إنهاء 
التخصص الذي قد يستغرق بضع سنين هو 
الآخر. 


في كل الحالات، لم يكن أمره يقلق
 والديه فهو الآن في الثانية والعشرين لديه 
متسع من 
الوقت، كان حين يقدم أيام العطل يملأ المنزل حركة يمنح حياة إلى حياته الاعتيادية. 
يتكلم كثيرا يحكي كثيرا عن أيامه التي
 أمضاها في كلية الطب, وحين يخلو
 إلى أمه كان 
يحكي لها عن بعض من تلك الفتيات
 اللواتي تعرف إليهن. 
لم يكن يجرؤ على ذلك حين يحضر 
والده فقد كان يخصص له رواية 
مختلفة يكون قد هذبها
 وشذبها مقص رقابته. 
سلوكه ذاك يناقض تماما سلوك
 جعفر شقيقه الأكبر الذي كان
 يبقى صامتا أغلب الوقت حين يعود
 إلى البيت مساء أو في يوم عطلته 
الأسبوعي. 


مع مرور الوقت صار لا يحكي إن حكى مرة 
سوى عن محركات السيارات، والأدوات التي 
تسخر في تفكيكها وإصلاحها.



كان سلوكا غريبا حقا كذلك كانت 
تقول المدام خذيجة أمه حين 
تحدث نفسها في غفلة من 
والده، تذكر المرأة أن جمال حتى
 سنته العاشرة كان يبدو طفلا
 طبيعيا يلعب كالآخرين ويسأل
 أمه وأباه كالآخرين عن أشياء
 يريد اكتشافها والاطلاع على
 خباياها، وكأسئلة الآخرين من 
الأطفال كان بعض من أسئلته تلك محرجا، 
تذكر السيدة  أنها كانت تجيب
 بما يتناسب مع تفكيره وتتحاشى
 الإجابة عما فيه إحراج حتى
 وإن أصر، حتى تلك السن من عمره. 
كان جعفر الولد الوحيد وقد ظنت خذيجة 
وزوجها أيضا أنهما لن يرزق غيره. 
منحاه كل عطفهما وكل اهتمامهما
 ثم ذات يوم أبلغت أم جمال زوجها
 بأنها تظن أنها حامل، 
ولأنه لم يستطع أن يستوعب بسهولة
 ما قالته عجل بعرضها على طبيبة 
متخصصة ثم أثبتت التحاليل
 أنها حامل، وجاءتها تباعا أعراض 
الحمل كما تعرفها النساء، كان الجيلالي
  سعيدا تمنى أن يكون المولود المنتظر
 بنتا ثم دخلت 
الأسرة في مرحلة الإعداد لاستقبال
 المولود الجديد، واكتشف 
جمال أن أمه تحمل في 
بطنها أخا أو أختا ثم رأى انشغالها 
عنه كل يوم أكثر. 


كان حين يعود من المدرسة وقد صار
 يستعجل تلك العودة يمضي إلى
 أمه يلتصق بها ويتمسح. 
حين تسأله إن كان يحب أخته لم تكن
 خذيجة تدري لما تسأله عن أخته
 وليس عن أخيه. 
كان الطفل يرد بأنه اشتاق إلى رؤيتها
 ويزداد تمسحا بأمه كل يوم أكثر، 
وذات الصباح، استيقظ كعادته
 وخرج من غرفته وجاء إلى 
غرفة أمه، لم يجدها،
 ولم يكن والده هناك،
 فظن جعفر أنهما في غرفة الطعام،
ولكنه لم يجدهما هناك بدأ الخوف
 يتسرب إلى نفسه. 
لم يعش قط ما يعيشه في تلك اللحظات، 
وبينما كان يهم بالعودة إلى غرفته سمع
 باب المنزل ينفتح ثم سمع 
صوت أبيه يناديه. 



أسرع نحوه عانقه كما صار يفعل بنوع من 
المبالغة. منذ أن اكتشف أن أمه ستجد له 
أختا كان موقنا أنها طفلة يا خالها
 جميلة أجمل من الدنيا التي
 تفتخر بها الصغيرات. 
لم ينتظر جيلالي أن يسأله. 
قال له وهو ينظر 
إلى عينيه، عندك الآن أخ جميل،
 ارتسمت على ملامح الطفل
 تعابير تمازجت فيها رغبة في 
الضحك وأخرى في البكاء. 
استطرد جيلالي وقد ضمه إليه، 
أمك في مستشفى الولادة،
 لقد ولدت لك أخا جميلا،
 ولكنها كانت تقول إنها 
ستلد لي أختا جميلة. 


في كلام جمال ما يشبه الاحتجاج
 وقد وجدأبوه صعوبة في الرد ثم قال
 إنها لم تكن تعلم ولا أنا كنت أعلم،
 الله وحده يعلم. 
هل تأخذني إليها، نعم ولكن بعد أن
 نتناول معا وجبة الفطور. 
بدا الطفل وقد أبعد من تفكيره أن
 المولود 
الجديد طفلة، كذلك كان يبدو
 وبعد أن تناول وجبة الفطور، ساعده والده في ارتداء ملابسه وانطلقا إلى المستشفى. 
لا يذكر أنه ولج مكانا كذاك الذي دخله برفقة 
والده، سيظل يذكر تلك الألوان الهادئة
 بل وذاك السكون الذي يعم المكان. 
طرق الجيلالي لباب غرفة تحمل
 الرقم ثمانية 
ثم فتح الباب، كانت خذيجة
 على سريرها. 


تفلت جمال من يد والده وقفز على
 السرير. لحق به وحال بينه 
والارتماء على حضن أمه،
 انحنت إليه وقبلته، قالت له، 
مبروك لقد صار عندك أخ الآن، 
لم تستوقفه ابتسامتها. 
عيناه تجولان في الغرفة، يريد أن يكتشف 
مكان المولود الجديد.



ولما لم يجده سألها، واين هو. لقد أخذته 
الممرضة وستعيده بعد قليل. 
جلس على كرسي بجوار السرير
 وقد وضع وجهه بين كفيه بينما 
أسند مرفقيه إلى ركبتيه. 
ظل صامتا بينما انشغلت أمه
 في حديث مع والده،
 ثم طرق باب الغرفة طرقا 
لطيفا انفتح الباب ودخلت
 الممرضة أدهشه لباسها ناصع 
البياض ثم لاحظ أنها تحمل بين
 ذراعيها شيئا ملفوفا في أثواب بيضاء.
 ابتسمت في وجهه وسألته،
 هل تريد أن ترى أخاك؟ هز رأسه 
موافقا وهو ينهض من مكانه،
 انحنت الممرضة فرأى وجهه الصغير المحمر، كان مغمض العينين. 



ضحك ولم يكن يريد أن يضحك،
 لم يسمح له بلمسه، 
وضعته الممرضة في السرير الصغير 
بجوار سرير أمه وانصرفت. 
منذ أن عادت به أمه إلى البيت حيث
 صار ينام في سرير صغير بجوارها.
 أحس جمال بأنه لم 
يعد محط اهتمام كما كان من قبل. 
كان كلما رأى أمه تحمله أو تحضنه 
يزداد حقده عليه، ومع توالي الشهور
 ازداد بعده عن حضن أمه. 
كثيرا ما حاول أن يظهر لها أنه 
يحب زيدون شقيقه، 
كان يقبله بحرارة وينظر إلى وجه أمه 
بعد كل قبلة، ولما بدأ يخطو خطواته الأولى،
 كثيرا ما تعمد إسقاطه، يحس بعد سقوطه 
بارتياح عجيب، ولما صار جليا أنه لن يعود 
أقرب إلى أمه، كثيرا ما أيقظ والديه ليلا وهو
 يدعي ألما، ثم عاد يتبول في فراشه كما كان 
يحدث له منذ سنين بعيدة.



ثم صار زيدون يقاسمه غرفته ويلعب بلعبه،
 تلك التي ظل يحتفظ بها منذ طفولته الأولى. صار لديه شعور بأنه يكتسح حياته اكتساحا،
 تحول إلى مشكلته الأكبر، وكذلك تعثر مساره 
الدراسي وتم توجيهه إلى التكوين المهني،
 سيظل يرى زيدون السبب في كل ما حدث له.



يزداد حقده عليه كلما سمع والده يلصق باسمه 
لقب الدكتور، فيناديه الدكتور زيدون بينما لم 
يكن يضيف إلى اسمه هو لقبا ولا صفة. 
عندما انتقل زيدون إلى الرباط ليتابع الدراسة في كلية الطب لم يعد ذلك إلى جمال
 الحظوة 
التي كانت له قبل أن يولد شقيقه الأصغر. 



يود لو يتخلص منه، فيخلص له وجه والديه،
 تلك رغبة دفينة لديه تنمو كلما رأى ملابس 
عمله الوسخ، أو مضى لغسل يديه التي
 اتخذت لها لون الشحوم
 وزيوت السيارات. 
في كل مرة تتقوى لديه تلك الرغبة في 
التخلص من شقيقه الذي حرمه تلك
 النجومية التي كانت له. 


ثم جاء اليوم الذي قرر فيه الانتقال
 إلى الفعل، انتظر عودة زيدون
 من الرباط لقضاء أيام 
عطلة، خطط ليتخلص منه منذ
 الليلة الأولى،
 في تلك الليلة, آوى إلى فراشه متأخرا، 
وكذلك زيدون. 
بعد ساعتين تظاهر خلالهما بأنه غاص
 في نوم عميق، نهض من فراشه، 
أمسك وسادته ومضى بها إلى
 وجه أخيه يخنقه، تحرك زيدون فزعا 
فأسقط الشمعدانة التي بجوار سريره 
انكسر زجاجها، وأحدث صوتا
 مزق هدوء الليل. 
استيقظ والداهما فزعين،
 لما جاء إلى باب 
الغرفة سمع صوتا غريبا،
 كان زيدون يقاوم 
أخاه الذي أراد أن يخنقه. 
اقتحم الجيلالي الباب وأنار الغرفة،
 كان جمال واقفا وهو يمسك بالوسادة 
بينما زيدون ممددا على سريره 
يحاول التقاط أنفاسه. 
زعم جمال أنه فعل ما فعله
 عن غير وعي منه.


 ولكن والده أصر على عرضه
 على طبيب نفساني أكد
 لاحقا أن ما حرك جمال حقد دفين
 على شقيقه الأصغر الذي يحمله
 كل مآسيه التي ظل يخفيها، 
كل تلك السنين التي انقضت.




هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع